ابن حزم
297
رسائل ابن حزم الأندلسي
هذا وأين هذا من نار جهنم . فهال المرأة ما رأت ثم عاودته ، فعاودته الشهوة المركبة في الإنسان فعاد إلى الفعلة الأولى ، فانبلج الصباح وسبابته قد اصطلمتها النار ( 1 ) . أفتظن بلغ هذا من نفسه هذا المبلغ إلا لفرط شهوة قد كلبت عليه أو ترى أن الله تعالى يضيع له هذا المقام كلا إنه لأكرم من ذلك وأعلم . ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها علقها فتى مثلها في الحسن وعلقته وشاع القول عليهما ، فاجتمعا يوماً خاليين فقال : هلمي نحقق ما يقال فينا . فقالت : لا والله لا كان هذا أبداً ، وأنا أقرأ قول الله : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) قالت : فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال ( 2 ) . ولقد حدثني ثقة من إخواني أنه خلا يوماً بجارية كانت له مفاركة ( 3 ) في الصبا ، فتعرضت لبعض تلك المعاني ، فقال لها : لا ، إن من شكر نعمة الله فيما منحني من وصالك الذي أقصى آمالي أن أجتنب هواي لأمره ، ولعمري إن هذا لغريب فيما خلا من الأزمان ، فكيف في مثل هذا الزمان الذي قد ذهب خيره وأتى شره . وما أقدر في هذه الأخبار - وهي صحيحة - إلا أحد وجهين لا شك فيهما : إما طبع قد مال إلى غير هذا الشأن واستحكمت معرفته بفضل سواه عليه فهو لا يجيب دواعي الغزل في كلمة ولا كلمتين ولا
--> ( 1 ) قارن - مع تذكر الفرق - بين هذا وبين ما جاء في " ذم الهوى " : 276 وروضة المحبين : 460 وهي رواية إسرائيلية انظر كذلك ص 465 . ( 2 ) انظر تزيين الأسواق 1 : 9 حيث نقلت الحكاية عن طوق الحمامة ، وأشار إلى ذلك الدكتور الطاهر مكي ، وكذلك وردت في ديوان الصبابة : 208 وصرح هنالك باسم المصدر فقال : قال الحافظ أبو محمد الأموي ؛ وانظر روضة المحبين : 346 . ( 3 ) مفاركة : هاجرة ، وعند برشيه : معادلة .